أبي بكر جابر الجزائري

374

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ في الإيمان باللّه ورسوله ووعده ووعيده ، فهم حيارى مترددون لا يدرون أين يتجهون وهي حالة المزعزع العقيدة كسائر المنافقين ، وأخبره تعالى أنهم كاذبون في اعتذاراتهم إذ لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدته أي احضروا له أهبته من سلاح وزاد وراحلة ولكنهم كانوا عازمين على عدم الخروج بحال من الأحوال ، ولو لم تأذن لهم بالتخلف لتخلفوا مخالفين قصدك متحدين أمرك . وهذا عائد إلى أن اللّه تعالى كره خروجهم لما فيه من الضرر والخطر فثبطهم بما ألقى في قلوبهم من الفشل وفي أجسامهم من الكسل كأنما قيل لهم اقعدوا مع القاعدين . هذا ما دلت عليه الآية ( 44 ) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ « 1 » فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ « 2 » وقوله تعالى في ختام الآية الأولى ( 44 ) وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ « 3 » فيه تقرير لعلمه تعالى بأحوال ونفوس عباده فما أخبر به هو الحق والواقع ، فالمؤمنون الصادقون لا يطلبون التخلف عن الجهاد لإيمانهم وتقواهم ، والمنافقون هم الذين يطلبون التخلف لشكهم وفجورهم واللّه أعلم بهم ، ولا ينبئك مثل خبير . هداية الآيات من هداية الآيات : 1 - فضيلة الإيمان والتقوى إذ صاحبهما لا يمكنه أن يتخلف عن الجهاد بالنفس والمال . 2 - خطر الشك في العقيدة وأنه سبب الحيرة والتردد ، وصاحبه لا يقدر على أن يجاهد بمال ولا نفس . 3 - سوابق الشر تحول بين صاحبها وبين فعل الخير .

--> ( 1 ) انْبِعاثَهُمْ : أي : خروجهم معك ، ومعنى ثبّطهم : حبسهم عنك وخذلهم لأنهم قالوا : إن لم يأذن لنا في القعود أفسدنا بين صفوف المؤمنين . ( 2 ) القاعدون : هم أولو الضرر ، والعميان والزمنى ، والنساء والأطفال . والقائل لهم اقعدوا هو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لما طلبوا منه الإذن بالقعود وجائز أن يكون قاله بعضهم لبعض أو قاله الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حال غضبه عليهم ، أو هو تمثيل لخلق اللّه تعالى داعية القعود في قلوبهم حتى لا يخرجوا فيفسدوا . ( 3 ) فيه شهادة للمؤمنين الصادقين بالتقوى وهي دعامة الولاية الحقة للّه تعالى ، فالإيمان والتقوى بهما تثبت ولاية اللّه للعبد ومن والاه اللّه فلا خوف عليه ولا حزن .